مدخل
مع ضعف الدولة العثمانية، ونشوء جمعية الإتحاد والترقي، بدأ العد العكسي لآخر خلافة إسلامية موحدة على هذه الأرض، وبعد الخسارة في الحرب العالمية الأولى سواء بسبب الضعف والفساد، أو بسبب الخيانات العربية وتحالف البعض مع بريطانيا في مواجهة ما يسمى التتريك، تم تقسيم ورثة هذه الخلافة بين بريطانيا وفرنسا بشكل أساسي، وبعيداً عن تفاصيل التقسيم واتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور لإنشاء وطن قومي لليهود ودولة حاجزة تفصل العالم الإسلامي وتمنع أي نهوض ووحدة مستقبلية بين شطريه، فقد كانت مصر من نصيب بريطانيا.
في العام 1918م، قام سعد زغلول بالتأسيس لحزب الوفد المصري محاولاً الدفاع عن “مصر”، ورغم بعض الإعتبارات الدينية والعروبية حيث كان أول إجتماع للوفد داخل “المسجد” وكان أحد أهدافهم هو وحدة “مصر والسودان”، إلا أن الحزب يميل لكونه حزباً وطنياً مصرياً ليبرالياً، واستطاع سعد زغلول أن يجمع حوله المصريين مما استدعى نفيه إلى مالطه، وهو ما أفرز ثورة 1919 وانتهى بأن يكون للحزب المكانة الأكبر سياسياً في مصر بعد ذلك.
وصولاً للعام 1928م، قام الشيخ حسن البنا بتأسيس أول خلية للإخوان المسلمين، وهذه المرة كانت المحاولة للدفاع عن “الإسلام” الذي أسقطت خلافته ومزعت أقطاره، وكان الإهتمام الأكبر على الجانب التربوي وإعادة نشر الثقافة الإسلامية التي تشوهت بفعل التتريك – جمعية الإتحاد والترقي – وبفعل الإحتلال – التبشير – ونهاية بفعل الليبرالية وغيرها من الأفكار الدخيلة – الغزو الفكري – على الأمة، وبهذا انطلقت أقدم وأقوى حملة شمولية إسلامية لإعادة الخلافة منذ سقوط الخلافة العثمانية.
ولادتان عسيرتان
ربما يكون هذا المثال حاضراً في تأسيس جناح الإخوان المسلمين في كل قطر عربي وغربي، وقد يكون الإخوان المسلمين اليوم يعانون أكثر من معاناة التأسيس في كثير من الدول، لكنني أردت هنا التوقف عند مولدين مفصليين ومهمين جداً في تاريخ الجماعة، أولهما هي تأسيس التنظيم على يد الشيخ حسن البنا وإخوانه الخمس، والنجاح المبهر الذي حققه في الفترة ما بين 1928م وحتى إستشهاده 1949م، والثانية هي تأسيس جناح الإخوان المسلمين في فلسطين على يد الشيخ أحمد ياسين وما حققه من فترة الإعلان الرسمي عن تأسيس الحركة عام 1987م وحتى إغتياله واستشهاده 2004م.
الشيخيين تتشابه حياتهما كثيراً، فمن عملهما الدعوي قبل التأسيس، إلى إلتزامهما في ظل مجتمع منحرف عن دينه بسبب الإحتلال والأفكار الهدامة، إلى فكرهم الوسطي الأصيل، وشخصيتهما القيادية البارزة، وقدرتهم على الإستقطاب، وعملهما الوفير، وتجديدهما الدقيق، ونظرتهم الشمولية، ومساهمتهما في الجهاد، ووجودهما بين إخوانهم بل وقبلهم في المحن والأسر والتضييق، كل هذا التشابه في الشخصية والوسط والأحداث، جعل من هاتين الولادتين ما يمكن أن نسميه بالمعجزات!.
نجاحات وإخفاقات
لم تكن هاتين الولادتين الناجحتين فقط، ولا يمكن هنا إنكار دور الكثير من المشايخ الأجلاء سواء من مؤسسي أجنحة الإخوان في الأقطار الأخرى، أو من مرشدي الإخوان المتعاقبين، والذين لم يكن الحمل عليهم أقل قدراً، ولم تكن قدراتهم القيادية وحنكتهم السياسية أقل من سابقيهم، فقد نجح الإخوان في التأسيس لأجنحتهم في جل الدول حتى أصبح التنظيم الإسلامي العالمي الأكثر انتشاراً، وقد نجحوا أيضاً في الحفاظ على وجودهم وإعادة ترتيب صفوفهم بعد كل ضربة يتلقونها من مختلف الأنظمة على مختلف الأسباب.
ولكنني اليوم أكتب وأخشى ما أخشاه أن يذهب كل هذا أدراج الرياح، وأن لا نكون قد اعتبرنا من التاريخ وأسباب الضعف والهوان الذي أدى إلى ضعف الخلافة وإسقاطها سواء بسبب الفساد الداخلي وعدم المسائلة أو بسبب المؤامرات الخارجية وعدم التحصن ضدها وقطع الطريق عليها منذ البداية، وما سيأتي هو بعض المشاهد المقلقة التي بدأت تطفوا على سطح الجماعة في السنوات الماضية.
غياب المركزية… التحالفات المتضاربة… أهل مكة أدرى بشعابها… الضبابية والإنغلاق…
لم أستطع فصل هذه المفردات في عناوين مختلفة، لأنها بالأساس مترابطة، وكل واحدة منها تنقلنا إلى الأخرى، جميعنا يعلم أن هناك مرشد عام واحد للجماعة، وأن هناك ترتيب هرمي معروف ومنشور في مواقعها وكتبها، لكن الكثير من التناقضات تثبت عدم المركزية وإختلال البناء الهرمي لتصبح أهراماً أصغر مجتمعة لكن بطريقة عشوائية غير منظمة
فالتبرير الجيد السيء بأن ” أهل مكة أدرى بشعابها ” لم يعد يفيد، فهو أمر صحيح في الثانويات والأمور التي لا تتعارض والإسلام أولاً والسياسة العامة للجماعة ثانياً، لكن الغريب في الأمر أن هذا التبرير أصبح يستخدم حتى مع أكثر الأمور غرابة ومدعاة للقلق، وهي التحالفات المتضاربة التي يبنيها أجنحة الإخوان سواء مع أنظمة الحكم في بلادهم، أو مع أنظمة أخرى خارجية، فالعلاقة بين إخوان الأردن والدولة والأمر ذاته في سوريا، مروراً بالعلاقة بين إخوان العراق والدولة والإحتلال، وليس نهاية بعلاقة إخوان فلسطين بسوريا وإيران، بل إن الأمر الأكثر غرابة وأكثر ضبابية وإشكالاً هو علاقة الإخوان في معقلهم الأساسي في مصر بالدولة ورؤيتهم في بعض القضايا الشائكة.
لقد أصبح المتابع لأخبار الجماعة يشعر وكأنما يتابع أجنحة ذات علاقات “تعاونية”، وليس أجنحة تنتمي لذات الجماعة، تختلف في الرؤيا بل وتتعارض في كثير منها، بل وأصبح لا يدري ممن يأخذ صفوة الحديث والموقف الرسمي للجماعة، هل المرشد العام هو من يمثل رأي الجماعة الفعلي ؟ أم مرشدوا الجماعة في الأقطار ؟ ماذا عن التصريحات المتضاربة ؟ هل تلك الفئة تنتمي للإخوان المسلمين من الأساس ؟ لماذا لم يصدر بيان للجماعة بخصوص المسألة الفلانية على أهميتها ؟ هل هناك خلاف على قيادة التنظيم بين الأقطار ؟ من هو الأحق بذلك ؟ هل هناك خلاف داخلي داخل الأقطار نفسها ؟ هل هناك حمائم وصقور ؟ هل هناك تقسيمات أخرى ؟ هل الإخوان اليوم يسيرون فعلاً على ما تأسست الجماعة به ولأجله ؟
لست خبيراً في شؤون الحركات الإسلامية عامة، ولا الإخوان خاصة، ولكنني أشعر أن من وجابي كمسلم أن أخشى على أكبر وأهم بل وربما آخر معاقل الإسلام الشمولي السليم الخالي – والكمال لله – من البدع والخرافات والتعصب والتسيب، من واجبي كمسلم أن أخشى من تفكك الخلافة الإسلامية حتى قبل قيامها، لسنا بحاجة لدويلات أموية وعباسية وفاطمية وعثمانية وحمائمية وصقورية ومصرية وسورية …. إلخ من التقسيمات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
نهاية ورغم أن العلة لا يمكن أن تكون في المرشد العام الشيخ مهدي عاكف، إلا أنني أعتقد أنه جزء منها، وأن ما ينقص الإخوان اليوم عملية ولادة جديدة شاملة واضحة متأنية وحاسمة في ذات الوقت، ولادة تجديد وتحديد، تجدد العزائم والبناء وتزيل المتراكمات، وتحدد الخطوط العريضة التي لا يقبل تركها لكل قطر تحت التبرير سابق الذكر، ولادة تخرج صياغة موحدة، وبرنامج سياسي موحد، وهرم موحد، وموقف موحد، في كل الأساسيات والقضايا الشائكة، ثم تبقى الثانويات لكل قطر ليتعامل معها بالطريقة التي يرى فيها المصلحة، حتى يقضي الله أمره بإزالة هذه الحدود وعودة الخلافة الراشدة من جديد.
ان اصبت فمن فضل الله علي، وان اخطيت فمني ومن الشيطان
دمتم بود