صورة من أحداث رفح الأخيرة
“الحركة الإسلامية في أرض فلسطين هي حركة وسطية تبتعد عن التكفير ومصطلحات الردة وهي حركة ذات فكر وسطي قائمة على وسطية الإسلام وأهدافها محددة وواضحة” هكذا كان رد رئيس الحكومة الفلسطينية السيد إسماعيل هنية تعقيباً على الأحداث الأخيرة في رفح.
في الحقيقة لا أريد هنا تسليط الأضواء على أحداث رفح بعينها، ولا بربطها كما يحلو للبعض بالسلفية الجهادية وتضخيم الأحداث وكأنها حرب بين منهجين إسلاميين لهما ما لهما وعليهما ما عليهما، بل إن حركة حماس تحديداً كونها فصيل مقاوم يعيش تحت الإحتلال من أقرب أجنحة الإخوان قرباً للسلفية الجهادية، فما حدث لا يعدو عن كونه إنهاء لحالة إنفلات أمني وتطرف ديني لا يقبل به حتى المدافعون عنه نكاية في حماس، بل لا يقبل به حتى بعض مشايخ السلفية الجهادية، ولو حدث الأمر ذاته في الضفة الغربية على سبيل المثال لأصبح مثالاً يقتدى في محاربة الإرهاب وحفظ أمان المواطن كما يحدث في محاربة المطاردين والمجاهدين من شتى الفصائل.
لكنني أود هنا الوقوف عند “وسيطة” الحركة الإسلامية في أرض فلسطين، هل هي وسطية فعلاً ؟ أم هي تسعى للوسطية ؟ أم هي تتخفى خلف الوسطية ؟ هل تتعامل حماس مع غيرها بنفس طريقة تعامل من وصفتهم بالتكفيرين مع غيرهم بعلم أو دون علم ؟ بنفس الدرجة أو بدرجة مختلفة ؟
للأسف الشديد فإن الإخفاقات الثلاث الكبرى لحركة حماس في التعامل مع “فتح” و “عائلتي حلس ودغمش” و “جماعة عبد اللطيف موسى” هز كل واحد منها كثير من مناصري الحركة في الوطن والعالم بأسره، وللأسف الشديد أيضاً أن كل هذه الإخفاقات نتجت من تحول “الوسيطة” إلى شكل مرضي تمتنع بسببه الحركة عن إتخاذ قرارات مصيرية في الوقت المناسب، وأصبح عادة ما يؤدي إلى التعامل مع المشاكل المحيطة في وقت متأخر جداً يسبب انعدام السيطرة والوصول إلى المواجهة وسفك الدماء.
قلت الثلاثة الكبرى لأنها ليست الوحيدة ففعلياً فشلت حماس جزئياً في علاقتها مع الجهاد الإسلامي ومع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وهما أكثر الحركات أهمية بعد فتح وحماس في الساحة الداخلية، كما وفشلت حماس جزئياً في علاقاتها مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية مثل الأنوروا، كما وفشلت جزئياً حتى في علاقتها مع المجتمع بشكل عام متمثلاً في بعض القرارات المتضاربة والتي ألغي العمل ببعضها بسبب ما سببته من ضجر لدى العامة.
هناك أمر يجب أن يعلن بصدق وصراحة، وهو أن حماس كحركة أو كحكومة ازداد فيها الخلاف لدرجة لم يعد من الممكن فيها إخفاءه، وأصبح التنافس بين يرى بأن الوقت قد حان لفرض الشريعة وتطبيقها، وبين من يرى عدم تهيء الظروف الموضوعية المناسبة لذلك معلوم لكل مقرب أو مراقب لحماس، وهذا الأمر لن يكون محمود العواقب إذا ما استمر دون الخروج برؤيا محددة وواضحة، لأن استحالة حدوث إنشقاق كبير في الحركة ليس أمراً منزلاً يستحال كسره، بل هو طريقة للهروب إلى الأمام وعدم التطرق للحلول.
إذا أردت حماس أن لا تكرر تجارب الآخرين في تغير المسار أو في السقوط المدوي، فلم يعد أمامها اليوم إلا أن تعيد مراجعة أحوالها وإخفاقاتها المذكورة سابقاً بشكل دقيق وبعيد عن الإرتكاز إلى مبادئ أخشى ما أخشاه أن تبقى تردد حتى بعد كسرها آلاف المرات – كما يفعل البعض – وعليها أن تحدد آليتها للخروج من المأزق الحالي على كل المستويات، بدءاً من المأزق الديني ووضع الخطة المناسبة والتوقيت الزمني الصحيح في كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية درجةً درجة، وهنا لا أتكلم عن “الحجاب” ولا أتكلم عن “قطع اليد” قبل أن أتحدث عن “العدل” و”الحريات” و”المحاسبة” و”توفير حد الكفاف” فلا يجوز أن تفرض أمراً أو تطبق حداً دون أن توفر مستلزمات تحمله أولاً.
أما على المستوى السياسي فعلى حماس أن تعيد تشكيل علاقاتها مع كل المجموع الوطني وليس مع حركة فتح بشكل خاص، والبعض هنا يعتقد أن الصغير أو الضعيف هو من يجب عليه المبادرة للإنطواء تحت “جلباب أبيه” ولكن نظرة عقلانية ومتأنية تعلمك أن في عالم السياسة وخاصة في حالة وجود التعدد يمتلك الصغار فيه مفاتيح لا يستطيع كالبار امتلاكها !!، أما على المستوى الإجتماعي والمؤسساتي والإقتصادي فحدث ولا حرج، وأعتقد أن أهم نقطة في هذا المجال هي الفصل التام بين علاقات الحركة والحكومة فيجب أن تفصل وتحدد بكل وضوح، وإلا فإننا نكرر تجربة نصفها بالكارثية ونرى حزباً فلسطينياً آخر يتحول أمام ناظرينا لحزب سلطة !؟!؟، أما الثانية والتي لا تقل أهمية ولا يمكن القيام بها إلا عن طريق تنفيذ النقطة الأولى فهي أن تنتقل الحكومة إلى طور المشاريع الوطنية الشاملة بعيداً عن دوائر التحزب سواء من حيث الحجم أو من حيث الشخوص والصلاحيات
